محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
64
في بيان الحاجة إلى الطب والأطباء ووصاياهم
بينهما ، وكان لا بد أن يدفع تاريخ الطب العربي ضريبة المؤرخين ، وآه من المؤرخين ، ولا بد من التوضيح بأنّ بعض المؤرخين كان يعيب عنهم أحيانا ، وليس دائما ، الحس التاريخي النقدي أو يختفي تماما في نقد وقبول الروايات التاريخية وتمحيصها ويصبحون ( حاطبي ليل ) يجمعون كلّ ما يجدونه في طريقهم بدون تفرقة أو تمييز ويعتمدون على مصادر غير موثوقة ، أو يسمعون مشافهة من رواة مطغونين في مصداقيتهم ، فيختلط الحابل بالنابل بل يكادون يفتقدون لأي إحساس بالمسؤولية التاريخية عن وصول رواية مشوهة غير حقيقية ، ويكون غرضهم تدوين أخبار مثيرة تجذب انتباه القارئ بغض النظر عن التثبت من مصداقيتها ، إنها نزعة ( الخبطات الصحفية ) بلغة عصرنا الحاضر ، وبالنتيجة فنحن لا نستطيع إقصاء كتاب ( إخبار العلماء بأخبار الحكماء ) ل « القفطي » ، وكتاب « عيون الأنباء في طبقات الأطباء » لمجرد ورود روايات خاطئة أو مغلوطة فيها ، لأننا لا نملك خيارا آخر ولا يوجد سوى مصادر قليلة أخرى تتعرض لترجمة حياة الأطباء وإلقاء الضوء على التفاصيل العملية للصناعة الطبية حتّى نهاية القرن السابع الهجري ، قد نجد تراجم لبعض الأطباء ولكنها مبعثزة في كتب التراجم العامة ، ويدرك الباحث التراثي أنه إذا تصدى لترجمة طبيب أو عالم ذكره « ابن أبي أصيبعة » أو « القفطي » فهذا سيسعده تماما لأنه سيجد مادة ثرية غنية وخصبة للكلام عنها ، أما إذا كانت الترجمة المطلوبة تتجاوز حدود هذين المصدرين زمنيا ( بعد القرن السابع الهجري ) أو أطباء المرحلة العثمانية على سبيل المثال فسيصادف عنتا وشططا لعدم توفر مراجع مطبوعة متداولة تترجم لهم ، وهذا لا يعني أن « ابن أبي أصيبعة » قد ذكر كلّ الأطباء في زمنه فقد ترجم ما ينوف عن الأربعمائة ترجمة ، وكثيرا ما تصادفنا